.. قصة شاب تائب
الحمد الله وكفى، وصلاة وسلام على عبده المصطفى ونبيه المجتبى نبينا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين، وبعــــد:
قال لي: أتعرف كيف كانت بدايتي؟
قلت: لا.
قال: كانت حياني عبثاً وضياعاً.. لهواً ولعباً.. تقليداً وكنت لا أعرف لحياتي معنى للحياة.. ولا قيمة للحياة أو الفضيلة.. الكل عندي سواء.. الحلال والحرام.. المعروف والمنكر.. الكل عندي جائز.. سخرية.. كبراً وغروراً..
كنت أخدع المغفلات بكلام معسول.. وعبارات براقة.. وكلمات فاتنة خلابة.. تحمل بين حروفها السم القاتل والهلاك المحتم كنت ذئباً أعرف كيف أصل إلـى فريستي وأنال منها ما أريد ثم أنسحب من حياتها بكل سهولة تاركاً إياها أسير الندم والأحزان.
أما في الصلاة: فلم تكن ضمن برنامجي اليومي.. صليت مرة أو مرتين في الأسبوع أو حتى في شهر..
أما في رمضان: كنت أصوم منه نصف ساعة فقط !! أتدري كيف؟ كنت أنام بعد الفجر ولا أستيقظ إلا قبيل المغرب لتناول الإفطار..
وفي الليل.. أعكف على صنم الفضائيات.. أنتقل من قناة إلى قناة.. ومن رقصة إلى أغنية.. ومن عري إلى خلاعة.. وضللت هكذا أسقط.. أسقط.. حتى وصلت إلى القاع..
كنت أسخر ممن يعظني وأصف الصالحين بالتخلف والرجعية..
كنت لا أقبل كلمة نصح.. أو همسة تذكير.. كنت مغتراً بشبابي وصحتي وقوتي وثرائي.. لـم أكن أرى إلا نفسي حتى أصدقائي الذين كنت أمارس معهم لعبة الضياع.. كنت أراهم أقزاماً ومرت الأيام وأنا على هذه الحال.. حتى هبت نسائم التغير..
ولكن كيف حدث هذا؟
بداية الهداية: في ذات يوم شعرت بصداع في رأسي.. لـم أعبأ به في أول الأمر.. ولكنه أخذ في الحدة والازدياد عرضت نفسي على أحد الأطباء وكنت موقناً بأنه سوف يكتب لي بعض أدوية الصداع.. وكان ما توقعته صحيحاً فقد كتب لي بعض الأدوية.. وأوصاني بالراحة التامة وعدم الجلوس أمام شاشة التلفاز فترات طويلة وكان ذلك أشق على نفسي لأنه حرمني متعتي الزائفة ولذتي التي أعيش لأجلها..
وبعد يومين شعرت بتحسن فظننت أنني شٌفيت فعدت إلـى برنامجي القديم.. وما هي إلا أيام معدودة حتى عاودني الألــم مرة أخرى ولكنه كان أشد هذه المرة من جميع المرات السابقة.. بدأ الخوف يلاحقني والقلق يسيطر على تفكيري ذهبت إلى كبرى المستشفيات الخاصة أجروا لي أشعة على الرأس.. وكانت الكــــارثة.. ورم بجوار المـخ.. ماذا يعني هذا؟.. هل أنا مصاب بالسرطان؟.. أنا.. أنا.. سوف أمـوت !!
بدأ قلبي يركض من الفزع.. ويداي.. بل جسمي كله يهتز.. كدت أسقطت على الأرض إلا أن كرسياً قريباً من أحد المكاتب حملني.. خرجت من المستشفى وليس هناك أحد أكثر مني هماً.. كم بقي لي من أيام؟ ماذا قدمت لآخرتي؟ ما هو رصيدي من الأ عمال الصالحة؟.. كيف ألقى الله وأنا ملوثُ بالأوزار والمعاصي؟.. ماذا أفعل؟
سرت كثيراَ على قدمي.. لـم أشعر بنفسي إلا وصوت المؤذن ينادي لصلاة المغرب.. أول مرة في حياتي أنتبه إلى الأذان.. تذوقت كلماته.. نعم.. الله أكبر من كل شيء.. حتى من المرض.. هذا هو طريقي الجديد..
عزمت على التوبة من هذه الساعة ولسوء فعلي.. كنت شاكاً في أن الله يقبل توبة أمثالي.. ولكن الله تعالى لم يتركني في هذا الوقت العصيب.. أراد طمأنتي فأنطق إمام المسجد بآيات عجيبة أعادت إلى قلبي الأمن والطمأنينة والراحة:
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر:53]،{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [الزمر:،5453].
بكيت بكاءً شديداً في الصلاة.. وضللت أبكي حتى سلم الإمام.. وانصرف الناس من المسجد.. جلست في المسجد أتلو كلام الله تعالى حتى العشاء.. وأنا في بكاء متواصل.. وبعد الصلاة.. أتى إليّ إمام المسجد وسلم عليّ وقال لي: ما لي أراك يا بنيّ مهموماً؟ ما تشتكي؟ قلت له: كثرة ذنوبي.. فقال لي: يا بنيَ، إن رحمة الله واسعة وإن رحمته سبحانه تغلب غضبه.. وإنه سبحانه يغفر الذنوب، ويعفو عن السيئات، كما قال في كتابه، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون وقال سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ